الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
189
تفسير روح البيان
فيكون من أهل التوحيد شقى بالمعاصي سعيد بالتوحيد فالمعاصى تدخله النار والتوحيد يخرجه منها ويكون من أهل الكفر والبدعة أشقى يصليه كفره وتكذيبه النار فيبقى خالدا مخلدا انتهى وعن ابن مسعود رضى اللّه عنه ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد بعد ما يلبثون فيها أحقابا وعن أبي هريرة وعبد اللّه بن عمرو بن العاص مثله ومعناه عند أهل السنة ان لا يبقى فيها أحد من أهل الايمان فتبقى طبقتهم خالية واما مواضع الكفار فممتلئة ابدا : قال الحافظ دلا طمع مبر از لطف بىعنايت دوست * كه ميرسد همه را لطف بىنهايت أو وفي هذا البيت إشارة إلى سر خفى لا يدركه الا أهل الإلهام قال بعض الكبار الترقي والتدلي انما يجرى في هذا العالم واما في الآخرة فلا ترقى فيها فان قلت فقد ترقى العاصي إلى مرتبة الجنة بعد الخروج من النار قلت ذلك الترقي كان في الدنيا بسبب الايمان غير أن ظهوره كان في الآخرة فعذب اوّلا ثم دخل الجنة إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ من تخليد البعض كالكفار وإخراج البعض كالفساق من غير اعتراض عليه . وانما قيل فعال لان ما يريد ويفعل في غاية الكثرة وقال المولى أبو السعود إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ استثناء من الخلود على طريقة قوله تعالى لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وقوله ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ وقوله حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ غير أن استحالة الأمور المذكورة معلومة بحكم العقل واستحالة تعلق المشيئة بعدم الخلود معلومة بحكم النقل يعنى انهم مستقرون في النار في جميع الأزمنة الا في زمان مشيئة اللّه تعالى لعدم قرارهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئة ولا لزمانها بحكم النصوص القاطعة الموجبة للخلود فلا إمكان لانتهاء مدة قرارهم فيها ولدفع ما عسى يتوهم من كون استحالة تعلق المشيئة بطريق الوجوب على اللّه تعالى قال إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ يعنى انه في تخليد الأشقياء في النار بحيث يستحيل وقوع خلافه فعال بموجب إرادته قاض بمقتضى مشيئته الجارية على سنن حكمته الداعية إلى ترتب الاجزئة على افعال العباد ولك ان تقول انهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجسماني بل لهم من العقوبات والآلام الروحانية ما لا يعلمه الا اللّه تعالى وهذه العقوبات وان كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسون بها عذاب النار ولا يحسون بها ألا ترى ان من دهمه الغم المفرط وأدهشه خطب جليل فإنه لا يحس بقرص النملة والبرغوث ونحوهما وقس عليه الحال في جانب السرور كما سيأتي وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا من سعد بمعنى أسعد لغتان حكاهما الكسائي اى قدر لهم السعادة وخلقوا لها فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ قال قتادة اللّه اعلم بثنياه وقال الضحاك الا ما مكثوا في النار حتى ادخلوا الجنة فان التأبيد من مبدأ معين كما ينقص باعتبار الانتهاء فكذلك باعتبار الابتداء وقال المولى أبو السعود في تفسيره ان حمل على طريقة التعليق بالمحال فقوله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ نصب على المصدرية من معنى الجملة لان قوله فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها يقتضى إعطاء وانعاما فكأنه قيل يعطيهم إعطاء غير مقطوع بل ممتدا لا إلى نهاية وهو اما اسم مصدر هو الإعطاء أو مصدر بحذف الزوائد كقوله تعالى أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً وان حمل على ما أعد اللّه لعباده الصالحين من النعيم الروحاني الذي عبر عنه ( بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) فهو